زهر نيسان

عطشى هي تحت َ التـُراب

تشحذ ُ النَفَسَ في الحياة

وتشتاق لكأس الماء

أمُــرُ من جانب القبر

وأغرسُ يديَّ في التـُـراب

وأحكي لها

وأشم الوشاح الأحمر

وأقبل حذائها العتيق

وأضم زهر البنفسج

أزهار الكون تغارُ من فستانها

ويشتاق البَخُورُ لمِسبحتها

ومن عطورها

ومن ماء زهرها

ومن عرق يديها يغارُ الندى

ونبلع غصة ً أخرى

عندما نفتح ألبومات الصور القديمة

ونشاهد سنين العمر وريعان الشباب

كيف للحياة أن تحفر آثارها في وجوهنا

سنين قليلة حتى بتنا عاجزين حتى عن تحريك أقدامنا

سنين قليلة حتى نحتاج من يُعيننا على شرب الدواء

حتى ظهرت التجاعيد وانحنا الظهر وبتنا عاجزين حتى عن الكلام

وقليلة أكثر حتى نشتاق لأحبابنا .. ونشم روائحهم

ونقبل زوايا بيوتنا التي وقفوا فيها

نقبل صورهم المهترئة

نناديهم لعلهم يسمعون لنا

ونتذكر روحهم المرحة .. نتذكر ضحكاتهم وآهاتهم

نتذكر الليالي التي قضيناها معهم

حُـلوها ومُرها

طيبها وسيئها

نتذكر خصاماتنا

نشتاق لنتصالح

كيف لي أن أحيا في في عُرس وأنت غائبة عنه ؟

من يفرح لي إن لم تفرحي أنت ِ

كيف لي أن أفرح بتخرجي وأنتي  لستي بيننا ؟!

من يفرح

من يستقبل التهاني ؟

من يداوي عللي !

جراحي

وليالي مرضي

من يتصل ليطمئن على حالي

من يشتاق لي في سفري

ويحزن على فراقي ليلة

من يطعمني غيرك

من يعطيني دواء مرضي

ويمسح على رأسي

ويقيس حرارة جبيني

ويرسم على دفاتري وردة بقلم الرصاص

من يجيب على هاتف البيت بغيابك

ثم نبلع غصة ً أخرى …

ليتك ِ الآن عجوزا ً تشاهدين أحفادكِ

ليتهم يلعبون في حضنك

أو يلعبون أمام عينك

يمشطون شعرك

تـُـسرحين شعر ابنتي

وتـُطعمين ابني

تعطيهم الصحيح وتبعديهم عن الخاطئ

كيف لي أن أنام وأنا أتألم من قسوة فراقك

أشتاق لك ِ عندما أنام

لعلك ِ تقرأين لي حكايا أهلك القديمة

لعلك تخبريني بالماضي البسيط

كيف كنتم تصنعون ذلك الجمال بأبسط الأدوات

أشاهد صورك

مجموعة من الورق والحِبر

تجعل من عيني نبع دموع

لم أتعرف عليك ِ

من بقي لخالتي غيرك ؟!

من هو أنُس ليلها

من يعتني بها

بمن تعتني هي بعد الآن ..

على من تذهب بعد أن ذهبتي من الدنيا

هي تشتاق لك ِ .. تشتاق لتفهم الألفاظ من صوتك

تشتاق لتمسح على جبينك وتداويكي

لتطعمك .. لتعتني بك ِ وتعتنين بها

أنت أمها وأبوها وأخوها

هي وحيدة لا أحد في الدنيا لها سواك ِ

لقد جف دمع عينيها

لدرجة أنني حزين عليها أكثر من حزني عليك ِ

لدرجة أنها لم تتقبل فكرة غيابكِ عنها

فراقك عنها

لدرجة انها تسمع أصوات الناس بأذنيكي

تشتاق لتشم ثيابك

تقف فوق القبر وتبكيك ِ

وتحكي مافي قلبها

وتخبرك ِ عن أحوالنا ..

مَن شرب ومَن ضحِك ومَن لعِب ومَن ماتَ ومَن طابَ ومَن عاش

أمور يرونها البعض بأنها تافهة

لكن الآن هي ضرورة لتحكي لك ِ عن أحوالنا

مطر كانون لعله يسقي القبور العطشى

لعله يتسلل بحِكمة خالقه من بين التراب

لعله يصل إليك ِ

يسقيكي ليعوض لك ِ الماء الذي حُرمتي منه

لا أحد مثلك ِ أو يأخذ مكانك ِ !

فمن له شامة على الجبين ؟

أما أنا .. فأبقى حتى ساعات الصباح ألفظ اسمك ِ

أناديكي لتؤنسي روحي

لتعطيني قليلا ً من الدفء في ليلي البارد

لتمسحي دموعي التي لا تتوقف

لتغطيني من برد الشتاء

أضع صورك بجانب رأسي

أغمض عيني

وأفتحهما لأراك ِ

ثم أقرأ الفاتحة على روحك ..

وأدعوا لك ِ

وأحاول أن أسترجع ذكرياتنا القديمة أنا وأبي معك ِ

أحاول أن أتذكر حلوياتك ِ المفضلة

أحاول أن أتذكر نفسك ِ في الطبخ

وذوقك في الأكل

أحاول أن أتذكر رحلات عمرنا القصيرة

أفراحنا وأحزاننا … لحظاتنا مع بعض

ولكن تخونني الذاكرة !

أشتاق لـ لمس يدك

لأقبلها

لأقبل قدميك

لأقول لك في آذار عيد سعيد ياحبيبتي

عيد سعيد يا زهرة نيسان

الصورة في الأعلى :  مـِسبحة أمي

الأوسمة: , , , , ,

رد واحد إلى “زهر نيسان”

  1. دعدوشة يقول:

    لو نستطيع الاحتفاظ بروائحهم او بصوتهم بقليل من أنفاسهم
    أفكر احيانا لما الموت لايأتي ويأخذ الجميع .. لماذا عليه أن يأخذ أحدهم ويترك البقية خلفه؟
    ان يوزع سنوات العمر بين الجميع فيعيشون سويا ويموتون سويا

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 29 other followers