ليلة كئيبة سوداء !

لا أعرف ما الذي غرس في نفسي فكرة السفر إلى الخارج , ما السبب الذي يخيم على عقلي حتى أصبح السفر إلى الخارج كل هاجسي وأمنيتي , ومستقبلي , أهي جامعاتنا التي لم يكن لي مكان فيها ؟ أم الناس الذي يزدادون وحشية يوما ً بعد يوم , أو ربما أولاد الحلال يقلون في الأيام الماضية ؟

لم أعتزم الحديث عن موضوع شخصي ألا أن المدون بطبيعته ينقل ما يشاهده من الحياة العامة ومن يومياته , لم أكن أود التطرق لمواضيع من حياتي المليئة بما أكره لكنني سأغامر وأطرح ما حدث معي في هذه الليلة السوداء التي تعلمت منها الصبر وزاد السواد الذي كان في قلبي أضعاف ما كان عليه في السابق .

أصيبت والدتي مؤخرا ً بمرض القصور الكلوي , الذي يستلزم جلسات “غسيل الكلية إسبوعيا ً” مرتين , وبعد أن تعبنا من المشافي الخاصة , قررنا أن نتوكل على الله ونذهب إلى المشفى الوطني الذي يقع في قلب مدينتنا والذي هو أشبه بإمبراطورية (صحية , أو إمبراطورية طبابة) خصوصا ً أنه مشفى عملاق لا تعرف كيف تدخله ولا تعرف كيف ستخرج منه , مشفى في أوضاعه العادية مليء بالفوضى , الأوساخ والمخلفات الطبية , مليء بالأطباء والممرضين الذين لا تميزهم عن بعض , مليء بالمرضى الذين يعانون وتزيد معاناتهم بعد دخوله إلا اللهم إذا عافاهم الله الذي سيزيد إيمانهم به بعد دخول المشفى , مشفى هو في حالته العادية كتلة كبيرة من الدمار والفوضى , ممرضين يركضون , مسؤولين يعملون بداخله , أطباء يبحثون عن أدواتهم , مرافقي المرضى الذين ينتظرون في الخارج وأحيانا ً ينامون , كل مريضين في غرفة تسد نفسك عن شيء يدعى العافية , ملائكة الرحمة أصبحوا ملائكة لكن الرحمة ربما كانت بعيدة عنهم , كل هذا في مشفى وطني كنا نقرأه من ضمن الإنجازات التي كنا نحفظها في الكتب والتي كان أساتذتنا في المدرسة يشرحون لنا عنها وكيف أن ولا دولة في العالم لديها هكذا مشافي (مجانية) , يبقى السؤال الذي يتبادر لذهنك ويرسم على وجهك صدمة أو علامة تعجب .. إذا كان المشفى هكذا في أحواله العادية , كيف ستكون أحواله وقت الحرب والقصف ؟

قررنا أن نأخذ والدتي إلى المشفى الساعة الحادية عشر ليلا ً من مبدأ أن المشفى ستكون أكثر هدوء خصوصا ً أنه وقت نوم المرضى , ذهبنا لنجد بأن غرفة الغسيل تبدو مزدحمة , بابها مفتوح , المكيفات ذات القطعة والقطعتين يعملن دون توقف ودون عمل أيضا ً , الذباب يلعب في أجواء الغرفة والقمامة تظهر واضحة دون غطاء لها , حتى أنني شاهدت المخلفات الطبية في الأرض (من بينها أنابيب بلاستيكية رفيعة تحتوي على دم) .

الدم .. مشهده مقرف جدا ً على الرغم من أننا بأمس الحاجة إليه في حياتنا سواء من جانب الذوق أو من جانب الصحة , الدم قليل في الحالتين , كنت أشاهد الدم إما في أفلام الأكشن عندما يصاب أبطالها فتنزف دمائهم , أو في أفلام الرعب عندما تؤخذ شقفة من الضحية فتنتثر دمائها في الأرض , لكنني مؤخرا ً بدأت بمشاهدة الدم على التلفاز لكن هذه المرة خارج أفلام الرعب والأكشن .

دخلنا إلى قسم الكلِى فأمعنت نظري في صالتنا المنشودة جيدا ً , صالة طولانية جزء منها مكشوف بحاجز زجاج وألمنيوم فيها 6 أجهزة غسيل وممرض واحد يدور على الـ 6 لكي يتفقدها , فإذا كان مشغول بجاهز ما ثم توقف أحد الأجهزة عن العمل لدى مريض آخر .. وقتها عليك النسيان أنك في مشفى تعتني بالمرضى , ناداه والدي ليعطيه ورقة توصية من أحد الأطباء , فكرت في نفسي حتى لو كانت والدتي هي المريضة , هل أصبحت العناية بحياتنا رهن بورقة ؟ هل هذه الورقة تحدد إنسانيتنا ؟ نتوجه على ذاك ونعتني به وننسى الذي بجانبه أو جاره ؟ مع العلم أن أي شخص بإمكانه كتابة ورقة والتوقيع عليها لا بل والختم بالأحمر فوقها أيضا ً , أخذ الممرض بعدها الورقة وذهب خارج القسم ليتصل بالطبيب الذي كتبها , وعاد وتوصى بوالدتي …

ذهبت لأجلس خارج المشفى قليلا ً لكي أستنشق الهواء قليلا ً , جلست أنا و أحد أقربائي صامتين , كانت جلستنا شرود وتفكير مني , وثرثرة يومية من قريبي , كنت أتأمل ساحة المشفى التي تخرج منها ما هب ودب من الروائح , الروائح التي لم تتركنا داخل المشفى طاردتنا خارجها , روائح بشعة وقطط مشردة لا أحد يعبّرها , ربما لأن زحمة الحياة جعلتنا ننسى أنفسنا أيضا ً , لا هواء في الساحة لا يوجد سوى سيارات مرافقي المرضى , والقطط المسكينة , في الساحة تقف سيارات مفتوحة (يقال لها سوزوكي) ينام فيها من يرافق المرضى , عله يسمع نداء رفيقه المريض ليلا ً , ينامون وينامون بعمق وأستمر أنا في النظر , وأستمر بمشاهدة من يخرج ومن يدخل .

أثناء جلوسنا في الساحة بدأت أسمع أنين من طرف ومن طرف آخر صراخ أشبه بصراخ المجانين , ثم بعدها بدأت بسماع بكاء امرأة بدأ بشكل خافت ليعلو ويعلو أكثر … أحدهم مات !

صرخات كانت مخيفة بالنسبة لي , كنت أسمعها وأنا صغير في المآتم , أسمعها وأبكي بدون أن أعرف سبب بكائي , كانت في بيك أب يقف أمامنا امرأة تقول أن من مات ربما هم شباب قد أصيبوا في حادث دراجات نارية ! … أكملت تفكيري .

لاحظت في عتمة الساحة بان أحد المرضى انتهى من الغسيل فركب هو وصديقيه والممرض الذي كان مسئولا ً عن صالتنا , دخلت لأتفقد الوضع من الداخل إلى أنه كان يدفع في نفسي البؤس , تدخل أنت كمرافق للمريض فتخرج والمريض يبقى مريض والمرافق يصبح مريض لكن نفسيا ً ! , ذاك يستلقي وينام , وآخر يعن ويصرخ بصرخات مخيفة , تشعرك أنت السليم بالمرض والألم , الصالة خالية من الممرض !!!!!

كثرت علامات التعجب في موضوعي الذي ما زال يرسم الدهشة على وجهي إلى الآن , الصالة لا يوجد فيها ممرض , فقد ذهب الممرض مع المريض الذي خرج في السابق تحت مبدأ قاله لي والدي “انتهت ورديته” , إذا انتهت ورديته من سيعمل مكانه ؟

قسم غسيل الكلِى مقسوم لأثنين في الأول 6 أجهزة والثاني أكثر بكثير , كان هنالك ممرض في القسم الثاني الذي يخلو من مرضاه شيء ً فشيء ً , إلا أن الممرض استلم القسمين , فإذا توقف جهاز في الأول , ينشغل الممرض في القسم الثانية والعكس صحيح , كنت أقف أمام سرير والدتي وأكتم ما يدور في سري , خصوصا ً بسبب ما نسمعه عن مشافينا الحكومية الموقرة , كنت أتظاهر بأنني مبتسم إلا أن وجهي من الداخل مليء بالهم الذي زاده منظر المشفى المزري , ناديت للممرض في القسم الثاني لكي يأتي إلى قسمنا فوجدته يعقم أحد الأجهزة التي انتهى صاحبها منها , وهو يضع رجله فوق التخت والرجل الأخرى يقف عليها مستندا ً إلى الجهاز , ناديته بشكل سريع بان جهازنا توقف عن العمل يا أستاذ فقال لي ببرودة قلب : قادم , لم أسمعه جيدا ً فكررت سؤالي بماذا رد .

جاء إلى جهازنا فبدأ يضغط ويضغط حتى توقف جهازنا عن الطنين وعاد إلى العمل , تفاجأت عندما رأيت الأهالي يصلحون الأجهزة بأنفسهم ! , عندما يتوقف جهاز يصلحه مرافق المريض بضغط عدد من الأزرار , الأهالي وجوههم شاحبة سوداء , أراهم يضغطون بجهاز من شأنه أن يزيد الكلية ضررا ً !!!

الممرض يبدو أنه معلم أيضا ً , فبعدما انتهى من إيقاف طنين جهازنا بدأ بتعليمي عن كيفية إعادة عمله , والدتي .. هل سأضغط بالجهاز عابثا ً بحياتها ؟! ما هذا المكان يا رب ؟

استمر الأمر 3 ساعات تقريبا ً , وكلما يتوقف الجهاز قليلا ً أذهب لأصلحه بنفسي ! , أقوم بالضغط زر كذا وكذا حتى يعمل الجهاز مثلما قال لي , انتهى الغسيل , أحضر أحدهم إبرة من هو ؟ هو مرافق مريض أيضا ً أعطاه الممرض الإبرة ليرسلها لنا , ثم جاء ممرض آخر كان مشغولا ً بجهازه المحمول , أينما ذهب وأينما سنحت له الفرصة يخرج جهازه المحمول ويبدأ بالكتابة … إنه يدردش !

سألته مازحا ً هل هذا برنامج “إي بدي” .. لم يسمعني , كررت عليه السؤال , فجاوب “ميغ” قلت في نفسي كيف عاد ميغ إلى العمل ؟ بالفعل كان حجب البرامج نعمة ! بدأ بفك المريض الذي بجوارنا , كاميرات المراقبة تملأ المشفى والصالة أيضا ً , بدأ بفك الجهاز عن المريض ثم طلب من ابن المريض أن يحضر له شيء ما , ذهب الولد ليحضر الشيء , وعاد الممرض إلى الدردشة ريثما يعود الولد !

بدأ بفك الجهاز عن والدتي , يبحث عن الشاش .. أين الشاش ؟ لا يوجد , أرسلني (أنا) إلى قسم الإسعاف لأحضر الشاش , عدت , وجدته يحمل الشاش بيده بعد أن عثر عليه .

كنت أشاهد في الأفلام أن المرضى يأخذون الحبوب والأدوية في أكواب فقط لعدم لمسها , أي توضع الحبوب في كل كوب ويعطى الكوب لفم صاحبه ليبلع الحب دون ملامسة الأيدي , كان هذا غائبا ً عن الجو , فقد أخرج ممرض الدردشة الإبرة ليضرب والدتي بها دون أن يضع كحول ولا حتى نقطة , هكذا بمنتهى السهولة , قسم , جزء , زريبة , حضيرة من المشفى لا يتفرغ فيه راعي الإسطبل ليضع الكحول على جلد المريض ! وكأن المليارات التي تصرف على المشافي تذهب في الهواء مرافقة ً لدعاء أهل المرضى علها تشفيهم , ما فائدة كاميرات المراقبة إذا كان سعر كل واحد منها 100 ألف و 200 ؟ لمراقبة عمل الممرضين وهذا هو العمل يدور أمام عدساتها بمنتهى اللامبالاة , أم لمنع السرقة , سرقة ماذا ؟ الكحول المفقود ؟ أم الشاش الذي ذهبت لأبحث عنه ؟

كيف سيتعافى المريض بدخول هكذا مشفى مريضا ً ويخرج بأضرب من مرضه ؟ , مازلت أتذكر كلمات عبد المنعم عمايري في بقعة ضوء .. : ولك المدارسة كل صف مترين بمتر وداحشين فيه 50 طالب , ولا المشافي .. بيفوت الولد معو رشح بيطلع معو سحايا .

خرجنا بعد أن انتهينا من الغسيل الساعة 2:00 ليلا ً , تركت أهلي في المشفى وذهبت إلى الخارج للبحث عن تكسي , لا أحد يتوقف ! , ما هو السبب , كل تكسي في البلد أمد له يدي لا يتوقف , خصوصا ً تلك التكاسي التي تركن أمام محلات الكحول بجانب المشفى , تقف لتشتري المحول ثم تذهب , ربما يسمى الليل العربي , ألم تملو من شرب الكحول ؟

خلال مسيري للبحث عن تكسي تذكرت سبب عدم وقوفه وهو أن التكاسي في هذه الأوقات تتفرغ لطلبيات راقصات الملاهي الليلية و الأرتسيستات , وبنات الليل وغيرهن من الساقطات , لا يعرفون خدمة مريض بإيصاله إلى بيته بل يعرفون إيصال الراقصة إلى زريبتها , لترضي جمهورها العفن .. , وأنا أبحث عن التكسي شاهدت إعلاننا الذي اشتهرنا به .. همي هو همك .. أنا مع سورية !

لهذه الدرجة الإنسان عندنا رخيص ؟

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

13 تعليق to “ليلة كئيبة سوداء !”

  1. محمّد فوّاز Says:

    أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم أن يشفي والدتك وأن يُصلح أحوال مشاففينا
    تدوينة جميلة، أكثر عبارة أعجبتني هي وصف الممرضين بالملائكة لكن ليسوا ملائكة الرحمة… ملائكة شو مثلًا؟ 😉

    • Beshr Says:

      شكرا ً .. الله يخليك يارب .. كان قصد انو الجهاز واقف والممرض مشغول بالدردشة .. ومافي أي إهتمام , وتقدر تقول انو كل المشفى مافيها رحمة .. البوست كتبتو 3 الصبح لحظة عودتي من المشفى

  2. mn zaman Says:

    لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم , بدايةً شفا الله والدتك والله يصبركن وإنشاء الله أجر وعافية …
    يا سيدي كلامك غير قابل للنقاش أبداً وأضيف , أن ملائكة الرحمة أصيبوا بتهتك قلبي من زمان والأطباء صابهن حالة من التمسحة وخصوصاً العاملين في مشافينا الوطنية !!!

    متل ماقلت بكفي منظر الوسخ والدم وعدم الإهتمام , لأ وبدك واسطة لحدا يرد عليك أو يهتم فيك متل البشر , إيه والله بتمنى لو بيعاملونا كبشر !!!

    بتعرف ما الحق عليهن , الحق علينا نحنا , من فترة أسعفت صديقي إلى المستشفى وأكثر من عشر دقائق وما حدا رد عليّ , بالأخير لميت المشفى علي وبهدلت الكبير قبل الصغير لحتى مشي الحال وشافوا شبو … إيه يا صاحبي والله فتتئ علينا الجروحات

    سّلم الله والدتك وشفاها , اللهم آمين

  3. TarepSH Says:

    لا حول و لا قوة إلا بالله .. !!

  4. ستلمس أًصابعي الشمس Says:

    عرفت هلأ شو الي خلاك ما تفكر بشي الا انو بدك تسافر من البلد !!

    تدوينة رائعة عنجد بشر .. الله يشفي والدتك .. كن بخير

  5. Umniyya Says:

    الله يشفيها يا رب و يصبرها
    في الله

  6. Kenan Alqurhaly Says:

    سلامة والدتك والله يكون بعونك صديقي بشر ..كتير زعلت عليك ع هالمأساة الجديدة بحياتك ..قلبي معك بشر والله يكون بعونك

  7. Loleh Says:

    الله يشفيلك ماميتك وانشالله مابتحتاج تزور لا مشفى ولا دكتور ..

    بعرف تماما شو يعني هيك صدمة .. اي نعم الانسان ببلدنا مالو تمن أبدا ، مو انو رخيص ، احمد ربك انقضت ع هالشغلة .. لسا في ناس بتعلق بدور العمليات مناظر بتقطع القلب والله .. وبتشوف هيك مشافي بينصرف عليها بلاوي زرقا وكلو بلع بلع بلع والمريض مو مهم .. المهم البلع

    من فترة كان الي تجربة شخصية مع الدكاترة والمشافي ، كل دكتور يطالع فيني مرض شكل ولبين ما انعرف اش معي كانو تصالحو العرب وصارت حالتي متقدمة بالمرض … وبالمشافي قضيت أكره أيام حياتي .. الحمد لله ع نعمة العافية والله لا يحيجنا لهالبشر … عن جد ماعاد في انسانية أبدا ..

    المهم صحة الوالدة الله يرجعلكن ياها بالسلامة يارب ، مابدي وصيك بالحوسة والطبخة ها 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s